الجنيد البغدادي
13
رسائل الجنيد
لألفاظه ، والفلاسفة لدقة معانيه ، والمتكلمون لعلمه « 1 » وكان الجنيد رحمه اللّه من طلاب الحقيقة ، وسئل عن العارف ، فقال : من نطق عن سرك وأنت ساكت « 2 » وأساس مذهبه مراقبة الباطن وتصفية القلب وتزكية النفس ، والتخلق بالأخلاق الحميدة ، وطريقته تقوم على الصحو ، وتابعه فيها أغلب الصوفية لأنها لا تتصادم مع الشريعة وتجمع بين الظاهر والباطن ، والجنيد في شرحه لأصولها وفروعها أستاذ ، وكان مريدوه يلقبونه بالأستاذ ، وهو مرب صوفي بالمعنى الصوفي للمربي ، فهو العارف بفنون علوم التصوف ، والمؤيد بعلوم الفقه « 3 » ولهذا قيل إن مذهبه مصونا من العقائد الذميمة ، محمي الأساس من شبهة الغلاة ، سالما من كل ما يوجب اعتراض الشرع « 4 » لازم التعبد ، ففتح اللّه عليه بسبب ذلك علوما كثيرة ، وتكلّم على طريقة الصوفية ، وكان ورده في كل يوم ثلاثمائة ركعة وثلاثين ألف تسبيحة ، ومكث أربعين سنة لا يأوي إلى فرش ، ففتح اللّه عليه من العلم النافع والعمل الصالح بأمور لم تحصل لغيره في زمانه ، وكان يعرف سائر فنون العلم ، وإذا أخذ منها لم يكن له فيها وقفة ولا كبوة ، حتى كان يقول في المسألة الواحدة وجوها كثيرة لم تخطر للعلماء ببال ، وكذلك في التصوف وغيره . ولما حضرته الوفاة جعل يصلى ويتلو القرآن ، فقيل له : لو رفقت بنفسك في مثل هذا الحال ، فقال : لا أحد أحوج إلى ذلك مني الآن ، وهذا أوان طي صحيفتي « 5 » ومن كلام الجنيد : كل علم نفيس جليل بذل المجهود ، وليس من عبد اللّه يبذل المجهود ، كمن طلبه من طريق الجود « 6 » والجنيد في نهجه الصوفي يؤكد على مرجعية الكتاب والسنة ، وهذا يمثل في نظرنا أسمى آيات الاعتدال في مذهبه الصوفي ، يقول : طريقنا مضبوط بالكتاب والسنة ، من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث ولم يتفقه لا يقتدي به « 7 »
--> ( 1 ) المرجع السابق ، نفس الصفحة . ( 2 ) ابن خلكان : وفيات الأعيان ، المجلد الأول ، ص : 373 ( 3 ) د . عبد المنعم الحنفي : الموسوعة الصوفية ، دار الرشاد ، ص : 107 ( 4 ) الزركلي : الأعلام ، دار العلم للملايين ، ج 2 ص : 141 . ( 5 ) ابن كثير : البداية والنهاية ، مكتبة المعارف ، بيروت ، جزء 11 ، ص : 114 . ( 6 ) طبقات الشافعية ، مجلد 2 ص : 65 . ( 7 ) طبقات الشافعية للسبكي ، ج 2 ص : 273 ، شذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن عماد الحنبلي ، دار الفكر ، ج 1 ص : 228 ، د . عبد المنعم الحفني : الموسوعة الصوفية ، ص : 107 ، الأعلام للزركلي ، ج 2 ، ص : 141 ، وفيات الأعيان لابن خلكان ، ج 1 ص : 373 ، البداية والنهاية لابن كثير ، ج 11 ص : 114